السيد رضا الصدر
117
محمد ( ص ) في القرآن
الدنوّ إلى الإثم ، لا عن التفكير فيه . ويتاح الوصول إلى العدالة بالمجاهدة وإتعاب النفس ، ولكنّ العصمة عطيّة إلهية ، ومنحة ربوبية ، وهي العلم بقيم الطاعات ، وبمفاسد المعاصي ، وبمصالح الأحكام الفرديّة والاجتماعيّة ، وبمنافع الأفعال ومضارّها للفرد وللمجتمع . وإنّ العدالة ملكة قدسيّة لصون صاحبها عن صدور فعل يوجب سخط اللّه تعالى . وكان محمّد صلّى اللّه عليه وآله في أعلى درجات العدالة وأشرفها ، وهو مع ذلك معصوم ، عصمه اللّه من الزلل وآمنه من الخطأ . وممّا يجدر بالذكر : أنّ ملكة العصمة لا تجعل المعصوم عاجزا عن ارتكاب الإثم ، فإنّها العلم دون سواه ، والعالم يستطيع الجري على خلاف علمه ، لأنّ دور العلم هو الإرشاد ، وأنّ المسترشد مخيّر في الإرشاد بعلمه ، وليس بمجبر على العمل برشاده . إن محمّدا صلّى اللّه عليه وآله كبشر قادر على الدنوّ من الآثام ، ولكنّه كمعصوم لا يفكّر في ذلك ؛ من أجل علمه بحقائق الذنوب . كما أنّ العاقل لا يفكّر في تقبيل فم الحيّة ، أو إلقاء نفسه من شاهق ، أو إحراق جسمه بالنار ، وإن لم يكن عاجزا عن إحدى هاتيك الأمور . نعم ، إذا حصلت للعلم مكانة في قلب العالم وصدّق بعلمه وأذعن إليه فإنّه لا يجري على خلافه . إنّ المعصوم مصون عن الخطأ والزلل ، إذ الخطأ ميزة العلوم البشريّة ويختصّ بها . وأمّا العلوم الإلهيّة فلا يتطرّق إليها الخطأ ، إذ العلم الإلهيّ : هو العلم بواقعيّات الأشياء وحقائقها ، إذ الواقعيّات والحقائق منكشفة لدى بارئها ، فإنّ الصانع خبير غاية الخبرة بكيفيّة صنع مصنوعه ، ولعلّ قوله تعالى : وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً يشير إلى جميع ذلك . وبذلك تبين افتراق ثان بين العصمة والعدالة ، فإنّ العادل يخطأ ، إنّه إنسان ، والإنسان معرض للخطإ والنسيان ، ولكنّ المعصوم لا يخطأ ، إنّه المتعلّم بتعليم إلهي ، ومثله لا يخطأ ، وقوله تعالى : وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً يفيد اختصاص هذا العلم بالمعصوم ، وإنّه شخص معيّن ، وإنّ غيره لا تجعل له هذه الفضيلة ، بخلاف